فلم اكن اتخيل وانا في طفولتي المبكرة بعد ان ولدت في مخيم
اللاجئين الفلسطنين في الضفة الغربية وقضيت فيه اولى سنين الطفولة ,
ولا املك الا ان أقارن بين واقعي المرير , وحكايات جدتي كل
مساء ان جدي كان من اكبر وجهاء قريتنا ويملك
مئات الدونمات من بيارات الحمضيات ويعمل عنده العديد من المزارعين
والعمال , وعندما انهيت الصف الاول ابتدائي في المدرسة وحصلت على ترتيب
الاول في الفصل و سئلت يومها ماذا تريد ان تصبح عندما تكبر؟ وأجبت ببراءة و
احلام الاطفال اريد ان اكون (دكتور) لم اكن اتخيل يوما بان الله سيمن علي و يكرمني
بأن أصبح طبيبا( دكتور) ,بل وأن يزيد الله في كرمه بأن اصبح معروفا
حتى لا أقول مشهورا في تخصصي و أشعربرضى الناس مني و عليّ
.
حقا
انه عالم جميل
فبعد
ان كنت في طفولتي اشارك الأغراب في المراحيض العمومية بداية ثم أصبح
لنا مرحاض واحدا لكل العائلة , أصبحت الأن أسكن في بيت لكل فرد من عائلتي حمامه الخاص
,نعمة لن يقدرها من لم يعش الحياة الصعبة و الحرمان الذي مررت به وجيلي
من المهاجرين ..
حقا
انه عالم جميل :
فقد
كان من أهم ما تحلم أن تمتلكه كطفل في المخيم جزمة سوداء بعنق طويل
حتى تستطيع السير بل السباحة في الطرقات الطينية للمخيم في فصل الشتاء وكنا نتندر
من بعضنا عندما نرى طفل حصل على جزمة جديدة ( مبروك الكاديلاك الجديدة
)
و
يشاء الله ان يطيل في عمري لامتلك الكاديلاك الحقيقية , وأسبح في بركة
السباحة الخاصة في منزلي ..
حقا
انه عالم جميل
فأول
ماركة عالمية للملابس حصلت عليها كانت قميصا من ماركة ( البطانية ) حينما ابتكر احد الخياطين في
المخيم طريقة لعمل القمصان من البطانيات السوداء التي كانت توزعها
علينا وكالة الغوث .فكنت ترى المحظوظين من أطفال و شباب المخيم يمشون الخيلاء بهذه
القمصان السوداء ... فأنعم الله
علي بعد ذلك بان أتعرف على كثير من الماركات العالمية للملابس بل و
القدرة على شرائها ان اردت ..
حقا
انه عالم جميل :
فبعد
ان تذوقت الحياة المريحة نسبيا عندما انتقلنا من المخيم لنسكن مدن /عمان و بيت لحم
والقدس, بحكم عمل والدي رحمه الله كموظف , يشاء القدر أن أحضر حرب
عام1967 و اضطر للنزوح الى الضفة الشرقية لأسكن ثانية في مخيمات النزوح
,ولكن بظروف اكثر قسوة هذه المرة حيث كان السكن هو الخيمة
و احساس البؤس اكبر لكوني كنت قد عرفت بأن هناك حياة اخرى خارج المخيم
لا تشبه الحياة داخله : ولكن الله أكرمني بالاغتراب مع
عائلتي الى جدة في السعودية وسكنا في بيت مستقل (فيلا) ومن سخرية القدر
اني وانا في المخيم كنت اشعر بالثراء لأنني كنت ألاكثر غنيّ في الفصل أو بالاصح الاقل
فقرا, وعندما كنت في السعودية ولانني عندما
اجتزت امتحان الوزارة في المرحلة المتوسطة (الثالث الاعدادي ) وكنت من العشر ألاوائل على
مستوى المملكة استقتبطني أفضل و أشهر المدارس في جدة في ذلك الوقت (مدارس الثغر النموذجية ) وهي مدرسة لم يكن يدخلها الا أولاد ألأمراء
و ألاثرياء والطلبة المتفوقين وكنت الاكثر فقرا أو بالاصح ألأقل غنى
في الفصل . وهو ما علمني درسا مهما في الحياة, وفي مرحلة مبكرة من حياتي,
وهو أن السعادة شعور و ارادة لا ترتبط بالضرورة بالنحية المادية .
وانه فعلا( القناعة كنز لا يفنى ) ..
حقا
انه عالم جميل
حيث أن لي حكاية
جميلة مع ( ألاول) : فأنا (أول) ألاولاد لوالدي وأول حفيد لجدي من أبنائه, و
الاول على صفي في كل مراحل المدرسة, و أول من يحصل على شهادة الطب من فخذي
في عائلتي, و (أول ) من حصل على شهادة البورد الاردني في تخصص جراحة العظام و المفاصل من تدريب مستشفى
الجامعة الاردنية ,و ( أول ) من حصل على شهادة الزمالة الاسترالية في تخصص
الطب الطبيعي و التأهيل من غير الاستراليين, و( أول) رئيس لقسم طب
التاهيل في مستشفى الجامعة الاردنية, و ( أول ) عميد لكلية علوم التأهيل
بالجامعة الاردنية, و (أول) استشاري معتمد لمركز الحسين للسرطان في تخصص الطب الطبيعي
و التأهيل , و ( أول) رئيس قسم للطب الطبيعي و التاهيل في مستشفى ابن الهيثم . و
أخيرا ( أول) طبيب والوحيد في ألاردن الذي يجمع بين التخصصين في جراحة
العظام و المفاصل و الطب لطبيعي و التأهيل .
حقا
انه عالم جميل
فقد
انعم الله علي بالمناصب العديدة في مسيرتي المهنية .وفي أحد تلك المناصب كان لي
أكثر من سكرتيرة . و أذكرأنه و بعد ان أعطيتهم جواز سفري لتصويره لبعض المعاملات
الرسمية ومذكور به مكان الولادة , جاءت احداهن تشي بزميلتها بأنها قالت لها
بأن الدكتور ( طلع ابن مخيمات ) فجمعتهن وقلت وهل ادعيت يوما بأنني من
مواليد باريس ؟!!
فأنا
أفتخر اني ( ابن مخيمات ) وهذا لا يعيبني ,بل
يدين من هجروني ويدين العالم المنافق الذي سمح وما يزال يسمح
بتهجيري ..
حقا
انه عالم جميل
فانه
بعد هذه السنوات الطويلة من التدريس في كلية الطب , و كلية علوم التاهيل و
كلية التربية الرياضية في الجامعة الاردنية , وفي اي زيارة لي الى احد المستشفيات
او الؤسسات العلمية في الاردن او خارجه أو عند مشاركتي في أي مؤتمر
علمي , فغالبا ما يأتي شخص أو أكثر يعرفني بنفسه و يحاول بأن يذكرني بأنه أحد
طلابي و يشكرني على ذالك ومنهم من وصل الى اعلى الدرجات العلمية و المناصب الرفيعة في مؤسساتهم و بلدانهم .وهو ما يشعر المرء
بالسعادة و الرضى .
حقا
انه عالم جميل
لأنني
أستطيع أن أجد في حياتي محطات كثيرة أكتب عنها بفخر و سعادة الانجاز و
أحتار فيما أكتب أو لا أكتب عن نعم الله علي خوفا ان تعطي احساسا بالتفاخر و التكبر .. و صدق
الله العلي القدير الذي يقول ( وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها )
فحمدا لله .
المستشفى الاستشاري مبنى العيادات 1
+96265621307
+96265621308
+962795564932
AMMAN / JORDAN